الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
103
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
قبل هذه الآية ليس فيه تحريم الميتة والدّم ولحم الخنزير وإنّما نزل القرآن بتحريم ما ذكر في هذه الآية ثمّ في سورة المائدة . والطاعم : الآكل ، يقال : طعم كعلم ، إذا أكل الطّعام ، ولا يقال ذلك للشّارب ، وأمّا طعم بمعنى ذاق فيستعمل في ذوق المطعومات والمشروبات ، وأكثر استعماله في النّفي ، وتقدّم بيانه عند قوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي في سورة البقرة [ 249 ] ، وبذلك تكون الآية قاصرة على بيان محرّم المأكولات . وقوله : يَطْعَمُهُ صفة ل طاعِمٍ وهي صفة مؤكّدة مثل قوله : وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [ الأنعام : 38 ] . والاستثناء من عموم الأكوان الّتي دلّ عليها وقوع النّكرة في سياق النّفي . أي لا أجد كائنا محرّما إلّا كونه ميتة إلخ أي : إلّا الكائن ميتة إلخ ، فالاستثناء متّصل . والحصر المستفاد من النّفي والاستثناء حقيقي بحسب وقت نزول هذه الآية . فلم يكن يومئذ من محرّمات الأكل غير هذه المذكورات لأنّ الآية مكّيّة ثمّ نزلت سورة المائدة بالمدينة فزيد في المحرمات كما يأتي قريبا . والمسفوح : المصبوب السائل ، وهو ما يخرج من المذبح والمنحر . أو من الفصد في بعض عروق الأعضاء فيسيل . وقد كان العرب يأكلون الدّم الّذي يسيل من أوداج الذّبيحة أو من منحر المنحورة ويجمعونه في مصير أو جلد ويجفّفونه ثمّ يشوونه ، وربّما فصدوا من قوائم الإبل مفصدا فأخذوا ما يحتاجون من الدّم بدون أن يهلك البعير ، وربّما خلطوا الدّم بالوبر ويسمّونه ( العلهز ) ، وذلك في المجاعات . وتقييد الدّم بالمسفوح للتّنبيه على العفو عن الدّم الّذي ينزّ من عروق اللّحم عند طبخه فإنّه لا يمكن الاحتراز عنه . وقوله : فَإِنَّهُ رِجْسٌ جملة معترضة بين المعطوفات ، والضّمير قيل : عائد إلى لحم الخنزير ، والأظهر أن يعود إلى جميع ما قبله ، وأنّ افراد الضّمير على تأويله بالمذكور ، أي فإنّ المذكور رجس ، كما يفرد اسم الإشارة مثل قوله : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً [ الفرقان : 68 ] . والرّجس : الخبيث والقذر . وقد مضى بيانه عند قوله تعالى : كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في هذه السورة [ 125 ] . فإن كان الضّمير عائدا إلى لحم الخنزير خاصّة فوصفه برجس تنبيه على ذمّه . وهو